الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
373
نفحات القرآن
القرآن والشفاعة تمهيد : إنّ العقوبات الإلهيّة يوم القيامة ليست ذات طابع انتقامي سواءً كانت قصيرة أم طويلة الأمد أم أبدية ، وسواءً كانت جسمية أم روحية وسواءً اعتبرناها كآثار طبيعية للعمل أو وضعية ، وقد وضعت بهدف تربية الإنسان أو كضمانة لتنفيذ القوانين الإلهيّة الرامية إلى تنمية الكمال الإنساني . ولهذا السبب ، نرى سبل النجاة مشرعة أمام الإنسان - في نفس الوقت الذي نرى فيه القرآن الكريم يصف العقوبات الإلهيّة بالشّدة - وتمنح الفرصة للمذنبين للرجوع عن الخطأ وإصلاح أنفسهم وسلوك الطريق المؤدي إلى اللَّه تعالى . وتعتبر الشفاعة واحدةً من هذه الوسائل لأنّها تعني في المفهوم الصحيح للكلمة انذاراً للمذنبين بعدم هدم جسور العودة بأجمعها والحفاظ على خطوط الاتصال مع أولياء اللَّه ، وإن وقعوا في بعض الذنوب فلا ييأسوا ، وعليهم الشروع بالعودة حيثما كانوا والمسارعة نحو رحمة اللَّه الواسعة . إنّ بحث الشفاعة بجميع تفاصيله ونقاطه التربوية المثيرة التي وردت في آيات كثيرة من القرآن الكريم ، يصب في هذا السياق . ومن الأفضل الاكتفاء بهذا التمهيد الموجز ، ومن ثم نعود إلى القرآن الكريم لنتعرف من خلاله على حقيقة ومفهوم الشفاعة وعلى جميع الأمور المتعلقة بها . نمعن فيما يلي خاشعين في الآيات التالية التي قُسمت إلى عدّة مجاميع وبالشكل الآتي : 1 - « فَمَا تَنْفَعُهُم شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ » . ( المدثر / 48 )